السبت، 23 أكتوبر 2021

المكتبة القديمة

المكتبة القديمة

كان أحمد مولعًا بالكتب منذ صغره، لا يمر أسبوع إلا وقد أنهى قراءة رواية أو كتاب جديد. أما سارة، زوجته، فكانت ترى القراءة هواية مملة لا تحتاجها إلا وقت الدراسة.
لكن أحمد كان يؤمن أن الكتب ليست مجرد أوراق، بل عوالم كاملة يمكن أن تأخذك بعيدًا عن ضغوط الحياة.

في صباح يوم جمعة شتوي، اقترح أحمد أن يذهبا معًا إلى وسط البلد للتنزه قليلًا. لم يخبرها وجهته الحقيقية، بل اكتفى بابتسامة غامضة وهو يقود السيارة عبر الشوارع القديمة.
توقف أمام مبنى قديم، وعلى واجهته لافتة باهتة كتب عليها: "المكتبة الوطنية – منذ 1952".
نظرت سارة إليه بدهشة:
– "مكتبة؟ أحمد… أنت تعرف أنني لا أقرأ كثيرًا."
– "لهذا السبب جئنا… أريد أن أريك عالمًا مختلفًا."

دخلا المكتبة، وكان أول ما لفت انتباهها رائحة الورق القديم الممزوجة برائحة الخشب العتيق. الرفوف العالية تلامس السقف تقريبًا، والممرات ضيقة لكنها مليئة بالكتب التي يبدو أنها شهدت عقودًا من التاريخ.
أشار أحمد إلى ركن صغير في نهاية القاعة:
– "هذا هو قسم الكتب النادرة… ستجدين هنا عناوين لم تعد تُطبع منذ سنوات."

بدأت سارة تتجول بين الرفوف ببطء، تمرر أصابعها على أغلفة الكتب وكأنها تلمس شيئًا ثمينًا. توقفت أمام كتاب صغير بغلاف أزرق عليه رسمة لامرأة تحمل حقيبة سفر.
– "ما هذا؟"
– "كتاب عن رحلات امرأة زارت أكثر من 20 بلدًا في الخمسينات… أظن أنه سيعجبك."

جلست سارة على كرسي خشبي قديم وبدأت تتصفح الكتاب، بينما جلس أحمد بجوارها يقرأ رواية كان يبحث عنها منذ مدة.
مر الوقت بسرعة، وعندما نظرت إلى الساعة، اكتشفت أنها قضت أكثر من ساعة وهي غارقة في الصفحات.
قالت وهي تضحك:
– "لم أتوقع أن أستمتع بهذا الشكل… أشعر وكأنني سافرت معها."
– "هذا هو سحر الكتب، تأخذك إلى أماكن لم تزرها من قبل."

قبل أن يغادرا، اشترى أحمد لها ذلك الكتاب، وأصر أن يكون بداية مكتبتها الصغيرة في البيت. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت زيارة المكتبة عادة شهرية لهما؛ يختاران كتابًا لكل منهما، ثم يقضيان وقتًا في أحد المقاهي لمناقشة ما قرآه.

وبعد عام، كان رف الكتب في غرفة المعيشة ممتلئًا، نصفه من اختيارات سارة. كانت تقول لكل من يزورها:
"أحمد لم يهدني مجرد كتاب… لقد أهداني عالمًا كاملًا."

الخميس، 21 أكتوبر 2021

التدريب المفاجئ

التدريب المفاجئ

كانت مروة تحب المشي منذ أيام الجامعة، لكن بعد الزواج وانشغالها بعملها ومنزلها، لم تعد تجد وقتًا كافيًا لممارسة الرياضة. ومع بداية العام الجديد، قررت الانضمام إلى ماراثون المشي الذي يقام في الحديقة العامة كل ربيع، لكن الأيام مرت سريعًا، ووجدت نفسها على بعد أسبوع واحد من الماراثون دون أي استعداد.

في صباح يوم الجمعة، وبينما كانت تحضر الإفطار، دخل تامر، زوجها، مرتديًا ملابس رياضية ويحمل في يده زوجًا جديدًا من الأحذية الرياضية.
ابتسم وهو يقول:
– "اليوم لا يوجد إفطار قبل المشي."
نظرت إليه باستغراب:
– "ماذا تقصد؟"
– "لقد سجلت اسمي معك في الماراثون، واليوم سنبدأ التدريب معًا."

ضحكت مروة:
– "أنت؟ في الماراثون؟"
– "ولم لا؟ على الأقل سأكون بجانبك في خط النهاية… أو ربما قبلك."

خرج الاثنان إلى الحديقة القريبة من المنزل، كان الجو باردًا لكن مشمسًا، والهواء النقي يملأ صدريهما بالطاقة. بدأا بالمشي البطيء، ثم زادا السرعة تدريجيًا. مروة كانت تضحك وهي تراقب تامر يحاول مجاراتها، بينما هو يبالغ في التنفس وكأنه شارك في سباق عالمي.
– "لا تضحكي، أنا فقط أختبر قدرتي على التحمل."
– "تحملك؟ لقد مشينا عشر دقائق فقط!"

بعد نصف ساعة، توقفا عند مقعد خشبي تحت شجرة كبيرة، وتبادلا شرب زجاجة ماء. جلسا يتحدثان عن أيام الجامعة والمشي الطويل الذي كان جزءًا من روتين مروة وقتها، وعن المرات القليلة التي حاول فيها تامر ممارسة الرياضة وفشل.
قال تامر:
– "أردت أن أكون جزءًا من هذا التحدي معك، حتى لو لم أكن رياضيًا مثلك."
ابتسمت مروة:
– "وأنا سعيدة لأنك قررت ذلك… التدريب معك ممتع أكثر من التدريب وحدي."

على مدى الأيام التالية، أصبح التدريب الصباحي طقسًا جديدًا لهما. أحيانًا كانا يتسابقان، وأحيانًا يمشيان بهدوء ويتحدثان عن خطط المستقبل. ومع اقتراب يوم الماراثون، شعرت مروة أنها ليست فقط مستعدة بدنيًا، بل أيضًا أكثر قربًا من تامر.

يوم السباق، وقفا معًا في خط البداية وسط الحشود، تبادلا نظرة مليئة بالحماس. وعندما قطعا خط النهاية بعد ساعة تقريبًا، كان التعب ظاهرًا على وجهيهما، لكن البسمة لم تفارقهما.
قال تامر وهو يلتقط أنفاسه:
– "ربما العام القادم نشارك في سباق ركض."
ضحكت مروة:
– "دعنا ننهي احتفال اليوم أولًا، ثم نفكر."

ومنذ ذلك اليوم، بقي المشي عادة مشتركة بينهما، ليس فقط كرياضة، بل كوقت خاص يجمعهما بعيدًا عن ضوضاء الحياة.

الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

وعد تحت المطر

وعد تحت المطر

كانت السماء ملبّدة بالغيوم في ذلك المساء، والمطر ينهمر بغزارة حتى بدا الشارع خالياً من المارة.
سلمى كانت واقفة أمام المقهى الصغير على زاوية الطريق، ترتجف من البرد وهي تنتظر. قلبها يخفق بسرعة، ليس فقط بسبب الطقس، بل لأن هذا اليوم قد يكون فاصلاً في حياتها.

وصل أحمد وهو يلهث، سترته مبتلة تماماً، وابتسامة خجولة على وجهه.
قال وهو يمد يده إليها:
– آسف على التأخير… المطر فاجأني.

ابتسمت سلمى رغم قلقها:
– لا بأس… المهم أنك أتيت.

جلسا داخل المقهى، وصوت المطر يطرق النوافذ كأنه يكتب لحنًا خاصًا لهما. كانت هناك رهبة بينهما، فقد جمعهما العمل منذ عامين، لكن لم يجرؤ أحدهما على الحديث عن المشاعر بوضوح.

أخرج أحمد ظرفاً صغيراً من جيبه ووضعه أمامها.
– قبل أن تقرئي، أريدك أن تعرفي أنني فكرت كثيراً قبل أن أكتب هذه الكلمات.

فتحت الظرف بيد مرتجفة، وقرأت رسالة قصيرة لكنها مليئة بالصدق: "سلمى… منذ أن عرفتك وأنا أرى الحياة بشكل مختلف. أريد أن أعيش معك كل فصول العمر… هل تقبلين أن نبدأ معًا؟"

رفعت رأسها، عينيها تلمعان بدموع امتنان وفرح.
– أحمد… لم أتوقع هذا، لكن… نعم، أوافق.

ضحك بخفة، ثم مد يده عبر الطاولة يمسك يدها، كان دفء أصابعه يتسلل إلى قلبها رغم برودة الجو في الخارج.
– أعدك… سأكون بجانبك في السراء والضراء، مثلما يقف المطر الآن ليغسل كل شيء، سنغسل نحن أي حزن قد يأتي.

ابتسمت وهي تهمس:
– إذن ليكن وعدًا… وعد تحت المطر.

ظلّا يتحدثان لساعات عن أحلامهما وخططهما، بينما المطر يخف شيئًا فشيئًا، وكأن السماء نفسها تمنحهما بركتها.
وعندما غادرا المقهى، كان الشارع يلمع تحت أضواء المصابيح، وكأن الطريق أمامهما أصبح أكثر إشراقًا.

كان ذلك اليوم بداية قصة حب لم تنتهِ، ووعدهما تحت المطر ظل محفورًا في قلبيهما كأجمل ذكرى.


مقهى الذكريات

مقهى الذكريات

كان المقهى الصغير في زاوية الحي هادئًا على غير العادة، وكأن الزمن توقف عنده منذ سنوات. رائحة القهوة المحمصة تعبق في المكان، تختلط بصوت فيروز الخافت في الخلفية.
جلس يوسف على الطاولة القريبة من النافذة، يحدّق في كوب القهوة أمامه دون أن يجرؤ على ارتشافه. كان قلبه يطرق بقوة؛ فهو يعلم أن لقاء اليوم ليس كأي لقاء.

فتحت سارة الباب، ودخلت بخطوات مترددة. لم تتغير كثيرًا منذ آخر مرة رآها قبل ثلاث سنوات، إلا أن في عينيها شيئًا جديدًا… مزيج من النضج والحزن.
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تقترب:
– يوسف… تأخرت قليلًا، الطريق كان مزدحمًا.

– لا بأس… كنت أنتظرك.

جلسا بصمت للحظات، قبل أن يقطع يوسف الجمود:
– أتذكرين هذه الطاولة؟ كانت دائمًا مكاننا المفضل… حيث كنا نخطط لكل شيء.

ضحكت بخفة، لكن صوتها كان مكسورًا قليلًا:
– نعم… كنا نحلم بالسفر والعمل معًا… لكن الحياة أخذتنا في طرق مختلفة.

تنهد يوسف وهو يمرر أصابعه على فنجان القهوة:
– صحيح… لم تكن الأمور سهلة. لكني جئت اليوم لأقول شيئًا لم أستطع قوله وقتها.

رفعت سارة حاجبيها باهتمام:
– ماذا؟

– كنت أحبك… ولا زلت.

ساد صمت ثقيل، لم يُكسره سوى صوت الملعقة وهي ترتطم بجدار الكوب. نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
– وأنا أيضًا… لكن الظروف كانت أقوى منا.

– الظروف لا تمنع القلب من النبض… نحن من نقرر الاستسلام أو الاستمرار.

بدت الحيرة في عينيها، وكأنها تقاتل نفسها من الداخل. تناولت رشفة من قهوتها، ثم تمتمت:
– هل تظن أننا نستطيع البدء من جديد بعد كل هذا الوقت؟

ابتسم يوسف بثقة، مد يده نحوها:
– إذا كنا نريد حقًا، نعم. لنترك الماضي وراءنا، ولنكتب فصلاً جديدًا هنا… في مقهى الذكريات.

وضعت يدها في يده ببطء، شعرت بدفء افتقدته طويلاً، وكأن اللحظة أعادتها لسنوات مضت.
نظر كل منهما للآخر بعينين تقولان أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصفه.

وعندما غادرا المقهى، كانت السماء صافية، والريح تحمل رائحة القهوة من بعيد… لتبقى ذكرى ذلك اللقاء محفورة في قلبيهما كعطر لا يزول.


جسر الغروب

جسر الغروب

كانت الشمس تميل نحو الأفق، ترسم خطوطًا ذهبية على سطح النهر الذي يجري ببطء تحت الجسر العتيق.
وقف عمر هناك، مسندًا ذراعيه على السور الحديدي، وعيناه تراقبان الألوان وهي تتبدل بين البرتقالي والأرجواني.
كان يعرف أن هذا هو المكان الذي سيجمعه بها بعد غياب طويل.

سمع وقع خطوات خلفه، فالتفت. كانت ليلى تقترب بخطوات هادئة، ترتدي معطفًا رماديًا، وشعرها يتحرك مع نسيم المساء.
ابتسمت بخجل:
– تأخرت؟

– لا… بل جئتِ في الوقت المناسب، قبل أن يغيب آخر شعاع للشمس.

اقتربت ووقفت بجانبه، نظرت إلى الأفق وقالت:
– مضى وقت طويل منذ آخر مرة وقفنا هنا.

– خمس سنوات… لكني لم أنسَ أي لحظة منه.

ضحكت بخفة، ثم نظرت إليه بعينين مليئتين بالذكريات:
– ولا أنا… لكننا كنا أصغر، وأكثر تهورًا.

– وربما أكثر صدقًا أيضًا.

ساد الصمت للحظات، لا يسمع فيه سوى صوت الماء المتدفق أسفل الجسر. ثم قال عمر بصوت منخفض:
– ليلى، هل تعلمين لماذا طلبت لقاءك هنا اليوم؟

– ربما لأنك تفتقد الماضي…

– لا، بل لأنني أريد أن أبني مستقبلًا. معك.

شعرت قلبها يخفق، لكنها حاولت إخفاء ارتباكها:
– عمر… نحن تغيرنا، والحياة لم تعد كما كانت.

– نعم، تغيرنا… لكن بعض الأشياء تزداد جمالًا مع الوقت، مثل هذا الغروب، مثل حبنا.

نظرت إلى النهر، ثم إلى يده الممدودة نحوها. ترددت قليلًا، قبل أن تضع يدها في يده.
شعر كلاهما بحرارة اللحظة، وكأن العالم توقف للحظة قصيرة، لا يوجد فيها سوى صوت النهر والسماء الملونة.

ابتسم عمر وقال:
– فلنعد المحاولة… هذه المرة دون أن ندع شيئًا يفرقنا.

ابتسمت ليلى بدورها، وهمست:
– موافقة… لكن بشرط، أن نعود كل عام إلى هذا الجسر عند الغروب.

– وعد.

وتحركا سويًا بخطوات بطيئة، تاركين خلفهما جسر الغروب كحارس صامت لأسرارهما الجديدة.

السبت، 16 أكتوبر 2021

محطة القطار

محطة القطار

كانت سماء الشتاء ملبدة بالغيوم، والبرد يلسع الوجوه. في محطة القطار القديمة، جلس يوسف على أحد المقاعد الخشبية ينتظر قطار الساعة الخامسة.
كانت يداه داخل جيبي معطفه الثقيل، وعيناه تراقبان البخار المتصاعد من فمه مع كل نفس.

لم يكن ينتظر القطار فقط… بل ينتظر لقاءً لم يكن متأكدًا أنه سيحدث.
لقد كتب لها قبل أسبوع: "سأكون في محطة القطار يوم الجمعة، الخامسة مساءً، إذا جئتِ… فاعلمي أنني ما زلت على العهد."

ارتفعت صفارة القطار القادم، وبدأ الركاب يتحركون نحو الرصيف.
وبين وجوه المسافرين، لمح يوسف وجهًا مألوفًا… كانت هي.
نور، بشعرها الأسود الذي يتطاير مع الريح، ووشاحها الأحمر الذي كان هدية منه قبل ثلاث سنوات.

اقتربت منه ببطء، وكأنها تخشى أن تتأكد من أنه حقيقي.
– يوسف…؟

– نعم… أنا.

ترددت للحظة، ثم جلست بجانبه.
– لم أتوقع أن آتي… لكن قلبي دفعني إلى هنا.

ابتسم بخفة:
– وكنت أخشى أن يكون قلبي هو الوحيد الذي يريد هذا اللقاء.

– لا… لكن الحياة أخذتنا في طرق متباعدة، ولم أكن أعرف كيف نعود.

– نحن الآن في المحطة، والمقطورات كثيرة… يمكننا أن نصعد معًا إلى أي قطار نريد.

نظرت في عينيه وقالت:
– لكن ماذا عن الماضي؟ عن الجراح التي تركناها وراءنا؟

– الماضي محطة قديمة… إذا ظللنا فيها، لن نصل أبدًا.

ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت الرياح ونداء القطار الأخير.
مد يوسف يده نحوها:
– هل نصعد معًا؟

أمسكت يده، وشعرت بالدفء يتسلل إلى أصابعها، كأنه يذيب كل ما تبقى من برد السنوات الماضية.
وقفت معه، وصعدا القطار قبل أن تتحرك العجلات ببطء، تاركين خلفهما المحطة، وحاملين أملًا جديدًا في رحلة مشتركة.


الرسالة المفقودة

الرسالة المفقودة

كانت ليلى تجلس في غرفتها الصغيرة، وأمامها صندوق خشبي قديم ورثته عن جدتها.
قررت أن تفتحه لأول مرة منذ وفاتها، ربما تجد بعض الصور أو الحلي القديمة.
لكن ما شد انتباهها كان ظرفًا أصفر باهت، مكتوب عليه بخط يدٍ أنيق: "إلى ليلى… بعد عشر سنوات."

تجمدت يدها للحظة، قلبها بدأ يخفق بسرعة، فهي لم تكن تتوقع شيئًا كهذا.
مزقت الظرف بحذر، وأخرجت ورقة طويلة مكتوبة بخط جدتها.

"ليلى… حين تقرئين هذه الرسالة، ستكونين قد بلغتِ سن النضج، وربما تواجهين صراعًا بين قلبك وعقلك.
اعلمي أنني أخفيت عنك سرًا سيغير حياتك، وهو أن أباك الذي تربيتِ على أنه توفي… ما زال حيًا."

شهقت ليلى بصوت مرتفع:
– ماذا…؟ أبي حي؟!

تابعت الرسالة:
"هو يعيش في مدينة الإسكندرية، واسمه سامي. رحل لأسباب ستفهمينها إذا قابلتيه. لا تخافي من البحث عنه، فقد آن الأوان لتعرفي الحقيقة."

جلست ليلى على السرير، تحدق في الحروف وكأنها لا تصدق.
بعد دقائق من الصمت، أمسكت هاتفها، وبدأت تبحث على الإنترنت عن اسمه.
لم يكن الأمر سهلًا، لكنها وجدت رقم هاتف لمحل كتب قديم في الإسكندرية يحمل اسم "سامي عبد الله".

اتصلت، وجاء صوت رجل مسن:
– ألو؟

– هل… هل أنت سامي عبد الله؟

– نعم… من معي؟

ترددت، ثم قالت بصوت مرتعش:
– أنا… ليلى. ابنتك.

ساد صمت طويل، قبل أن تسمع تنفسه الثقيل.
– كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي… أين أنتِ الآن؟

– في القاهرة… لكن يمكنني أن آتي إليك.

– تعالي غدًا، سأكون في المقهى بجانب محل الكتب، الساعة الرابعة.

في اليوم التالي، وقفت ليلى أمام المقهى، قلبها يدق كطبول الحرب.
دخلت، فرأت رجلاً بملامح تشبه ملامحها كثيرًا، يجلس في زاوية هادئة.
عندما التقت عيناهما، شعرت وكأن الزمن توقف.

ابتسم سامي بخفة، والدموع تلمع في عينيه:
– كنت أعد الأيام لأراكِ… يا ابنتي.

جلست أمامه، وهي تحاول أن تجمع شتات مشاعرها بين الصدمة والحنين، مدركة أن هذه اللحظة ستغير حياتها للأبد.


ظلّ في الممر

ظلّ في الممر

كانت أمينة تعمل في مكتبة قديمة تقع في شارع ضيق وسط المدينة.
في الليالي الماطرة، كانت المكتبة تكتسي بهالة غامضة، والجدران الخشبية تصدر أصواتًا كأنها تهمس.

في إحدى الأمسيات، كانت وحيدة هناك، تفرز الكتب القديمة قبل الإغلاق.
وفجأة، شعرت ببرودة تسري في جسدها، رغم أن النوافذ مغلقة.
التفتت نحو الممر الطويل الذي يفصل بين أرفف الكتب، ورأت ظلاً طويلاً يتحرك ببطء.

ابتلعت ريقها وحاولت إقناع نفسها بأنه انعكاس ضوء.
لكن الظل توقف، ثم بدا وكأنه ينظر إليها!

– من هناك؟! – صرخت بصوت مرتجف.

لم يجبها أحد، لكن وقع خطوات خافتة بدأ يقترب.
مدّت يدها نحو هاتفها، لكن البطارية كانت قد نفدت.

تراجعت ببطء نحو باب الخروج، وعندما التفتت، وجدت على الطاولة كتابًا لم تره من قبل.
غلافه أسود بالكامل، وعليه عبارة مكتوبة بخط ذهبي:
"اقرأني لتعرف الحقيقة…"

ارتجفت يداها وهي تفتحه، فوجدت الصفحة الأولى فارغة، إلا من جملة:
"أنا أعرفك… وأراقبك."

فجأة، انطفأت كل الأنوار، وغمر الظلام المكتبة.
سمعت صوت أنفاس خلفها، ثم همسة باردة لامست أذنها:
– تأخرتِ كثيرًا يا أمينة…

استدارت بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
وعندما أعيد تشغيل الأنوار بشكل مفاجئ، اختفى الظل، واختفى الكتاب من الطاولة.

خرجت مسرعة تحت المطر، وهي تتساءل إن كان ما حدث حقيقيًا… أم مجرد وهم.
لكنها لم تلاحظ أن بين صفحات دفتر ملاحظاتها الآن ورقة جديدة مكتوب عليها:
"إلى اللقاء الليلة… في حلمك."

رسائل من هاتف ميت

رسائل من هاتف ميت

كانت ليلى فتاة هادئة، تعيش في شقة صغيرة بعد وفاة خطيبها، سامي، في حادث سيارة قبل ستة أشهر.
رغم مرور الوقت، لم تستطع التخلص من صوته وضحكته في ذاكرتها.
كانت كل ليلة قبل النوم تقرأ الرسائل القديمة بينهما، وتشعر كأنه ما زال هناك.

وفي مساء بارد، بينما كانت تحتسي قهوتها وتتفقد هاتفها، وصلتها رسالة جديدة… من رقم سامي!

كانت الرسالة قصيرة:
"اشتقت إليك… هل تفتقدينني؟"

تجمدت أصابعها، وظنت في البداية أن أحد أصدقائه يعبث معها.
لكنها كانت تعرف أن هاتفه قد تحطم تمامًا في الحادث، وبطاقة SIM تم إلغاؤها.

كتبت بسرعة:
"من أنت؟ وكيف حصلت على هذا الرقم؟"

جاء الرد فورًا:
"أنا سامي… أنتِ تعلمين أني لم أتركك أبدًا."

ارتجف قلبها، وبدأت يداها تتعرقان.
قررت الاتصال بالرقم، لكن ما سمعته كان مجرد أنفاس بطيئة، ثم صوت هامس يشبه صوته تمامًا يقول:
– لا تحاولي فهم الأمر… فقط انظري من نافذتك.

ترددت، ثم ذهبت إلى النافذة.
في ضوء الشارع الخافت، رأت شخصًا يقف أسفل المبنى، يضع معطفه الأسود الذي كان سامي يرتديه دائمًا.

عادت مسرعة وأغلقت الستائر، وكتبت له:
"إذا كنت سامي، أثبت ذلك!"

وصلتها صورة على الفور، صورة قديمة لهما في المقهى المفضل لديهما، لكنها لم تكن صورة مأخوذة من هاتفها أو هاتفه…
كانت الصورة مأخوذة من زاوية مختلفة، وكأن شخصًا ما كان يراقبهما يومها.

في تلك اللحظة، انطفأت الأضواء في الشقة، وسمعت طرقات بطيئة على بابها.
اقتربت بحذر، وسألت بصوت مرتجف:
– من هناك؟

لم يأتِ أي رد، فقط ورقة تم تمريرها أسفل الباب مكتوب عليها:
"أخبرتك أني لم أتركك… وسأراك الليلة."

وعندما فتحت الباب بسرعة، لم يكن هناك أحد…
لكن هاتفها اهتز مرة أخرى، والرسالة الأخيرة كانت:
"أنا خلفك."

صورة الزفاف الأخيرة

صورة الزفاف الأخيرة

كانت منى تحلم بيوم زفافها منذ أن كانت طفلة.
وأخيرًا جاء اليوم المنتظر، حيث ارتدت فستانها الأبيض، ووقف أحمد، العريس، بجانبها بابتسامته المطمئنة.
الموسيقى كانت هادئة، والأهل والأصدقاء يصفقون بفرح، والمصور يتنقل بين الحضور لالتقاط اللحظات السعيدة.

لكن في إحدى الصور، التقط المصور مشهدًا غريبًا…
لم يلاحظه أحد في البداية، لكنه كان واضحًا عند مراجعة الصور لاحقًا.

في الصورة، كان أحمد يبتسم وهو يمسك يد منى، لكن خلفهم، في المرآة الكبيرة بقاعة الحفل، لم يكن هناك انعكاس للعريس…
فقط انعكاس العروس وحدها، وفستانها الأبيض يلمع، بينما مكان أحمد كان فراغًا أسود قاتم.

المصور شعر بالارتباك، لكنه لم يقل شيئًا حتى لا يفسد الحفل.
ومع مرور اليوم، لاحظت منى أن أحمد بدا غريبًا، بارد اللمس، ويداه دائمًا باردة حتى في القاعة المزدحمة.

بعد أيام قليلة من الزفاف، كانت منى تجلس في غرفة النوم، تتأمل ألبوم الصور.
لكنها توقفت عند نفس الصورة، حيث لاحظت أن "الفراغ" في المرآة لم يعد فراغًا…
الآن ظهر فيه وجه مشوه، مائل الابتسامة، بعيون سوداء عميقة يحدق فيها مباشرة.

أغلقت الألبوم بسرعة، والتفتت لتنادي أحمد، لكنها وجدته واقفًا خلفها، صامتًا، وابتسامته مطابقة تمامًا لابتسامة ذلك الوجه في المرآة.

قال بصوت منخفض:
– قلت لك… كان يجب أن تظلي معي للأبد.

ثم انطفأت كل الأضواء، ولم يُسمع بعدها سوى صرخة واحدة، طويلة…