السبت، 16 أكتوبر 2021

محطة القطار

محطة القطار

كانت سماء الشتاء ملبدة بالغيوم، والبرد يلسع الوجوه. في محطة القطار القديمة، جلس يوسف على أحد المقاعد الخشبية ينتظر قطار الساعة الخامسة.
كانت يداه داخل جيبي معطفه الثقيل، وعيناه تراقبان البخار المتصاعد من فمه مع كل نفس.

لم يكن ينتظر القطار فقط… بل ينتظر لقاءً لم يكن متأكدًا أنه سيحدث.
لقد كتب لها قبل أسبوع: "سأكون في محطة القطار يوم الجمعة، الخامسة مساءً، إذا جئتِ… فاعلمي أنني ما زلت على العهد."

ارتفعت صفارة القطار القادم، وبدأ الركاب يتحركون نحو الرصيف.
وبين وجوه المسافرين، لمح يوسف وجهًا مألوفًا… كانت هي.
نور، بشعرها الأسود الذي يتطاير مع الريح، ووشاحها الأحمر الذي كان هدية منه قبل ثلاث سنوات.

اقتربت منه ببطء، وكأنها تخشى أن تتأكد من أنه حقيقي.
– يوسف…؟

– نعم… أنا.

ترددت للحظة، ثم جلست بجانبه.
– لم أتوقع أن آتي… لكن قلبي دفعني إلى هنا.

ابتسم بخفة:
– وكنت أخشى أن يكون قلبي هو الوحيد الذي يريد هذا اللقاء.

– لا… لكن الحياة أخذتنا في طرق متباعدة، ولم أكن أعرف كيف نعود.

– نحن الآن في المحطة، والمقطورات كثيرة… يمكننا أن نصعد معًا إلى أي قطار نريد.

نظرت في عينيه وقالت:
– لكن ماذا عن الماضي؟ عن الجراح التي تركناها وراءنا؟

– الماضي محطة قديمة… إذا ظللنا فيها، لن نصل أبدًا.

ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت الرياح ونداء القطار الأخير.
مد يوسف يده نحوها:
– هل نصعد معًا؟

أمسكت يده، وشعرت بالدفء يتسلل إلى أصابعها، كأنه يذيب كل ما تبقى من برد السنوات الماضية.
وقفت معه، وصعدا القطار قبل أن تتحرك العجلات ببطء، تاركين خلفهما المحطة، وحاملين أملًا جديدًا في رحلة مشتركة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق